مقتطفات من رواية “Memoirs of God” والمأخوذة عن مذكرات لمريض عقلي، كان يعتقد أنه إله، تركها بإحدى المستشفيات الفرنسية قبل هروبه منها عام 1982.:هذه الرؤى، هل تأتي من عقل الإنسان الذي أتجسد في صورته الآن، أم إنها رسالة من المجمع المقدس؟أنا الآن واعٍ تمامًا. لكن، هذا لم يمنع تواصل الرؤى التي تطاردني. لم يعد ما أراه صنيعة خيالي، بل هي ذكريات قديمة عادت للحياة. رأيت المجازر والمحارق، وسمعت توسلات الأبرياء، وفي الخلفيّة، كان هناك صوتٍ يسأل بتذمر، “أين كنت”؟ هل كنت مشغولًا بأمورٍ أخرى؟ وبدوري تسائلت، أين كنت حقًا حين دعوني عبثًا دون جدوى؟ أين كنت حين تضوّر الأطفال جوعًا، حين عانوا، حين قتلوا، حين التهمتهم الوحوش الضارية؟لطالما شعرت أن الخلود أهم، وأنني لست مضطرًا لأن اشغل نفسي، دون مبرر، بالمعاناة الدنيوية. لكن، أن تصبح فريسة في براثن نمر جائع، حتى وإن لم يتعد الأمر كونه حلم، هذا يجعلني أميل لإعادة النظر.ببزوغ الفجر، شعرت أن رغبتي في النوم قد تبددت. تطلعت حولي ورأيت أتباعي، بعضهم كان لا يزال يغطّ في النوم، بينما الآخرين يستيقظون ببطء. و شعرت فجأة برغبة ملحة في الهرش في كامل جسدي، وأخذت احك قدماي ويداي وبطني ووجهي.”اللعنة على القمل والبق!” صاح أحدهم.”آلا تحب صحبتهم؟” سأله آخر.وتعالت الضحكات من هنا وهناك.حين كنت إلهًا مطلق القدرات، كثيرًا ما سمعت ضحكات البشر. ولابد وأنني قد سمعت مثل هذه الضحكات تحديدًا. لكنها اليوم تخبرني بأمور أخرى جديدة.فالضحك هو اللغة الوحيدة التي لا يفهمها سوى من يقوم به. وربما تنمّ ضحكة صاخبة على مزحة، لا تستحق سوى الإبتسام، عن العصبية أو الغباء. ويتطلب الأمر قدر من الخبرة والحدس كي نستخلص، من الضحك، احساس من يغرق، ويظن لبرهة، أنه ممسك بطوق النجاة. من تخلو حياته من المعنى، من نسيّ، لأمد طويل، كيف تكون السعادة، من يفرّ من ذكرياته، يضحك، لكنه ضحك أليم.لكن في هيئتي الحالية، هل أنا قادر على الضحك؟ توقفت عن التفكير، وعدت ثانية لحك جسدي. وجعلتني حالتي الراهنة كمحدود المعرفة، أنسى الدافع وراء خلقي للقمل بالأساس.
حسين برغوثي _ "التفاصيل"سأكون بين اللوز
من كتاب حسين برغوثي “سأكون بين اللوز” صوت أحمد قطليشالموسيقا Chopin – Nocturne In B – Flat Minor, Op. 9 No. 1
أنطون تشيخوف- الخال فانيا- رجل مجهول
الجملة الأولى من مسرحية الخال فانيا لتشيخوف وباقي المقطع من رجل مجهولالموسيقا:Zadboom II: Karen Homayounfarصوت أحمد قطليشالنص:أنت تعرف الجميع والجميع هنا يعرفونك، لكنك غريب .. غريب ووحيد.عندما تهزأ بالأفكار التي تدعي أنك تعرفها كلها، فإنك تبدو أشبه بالجندي الهارب بجبن من ميدان القتال، و لكنه، كي يغطي على خزيه، يسخر من الحرب و الشجاعة. إن الصفاقة تكتم الألم. وفي إحدى قصص دوستوفويفسكى يطأ العجوز صورة ابنته الحبيبة بقدميه لأنه مخطىء في حقها، أما أنت فتسخر بصورة وضيعة مبتذلة من أفكار الحرية و الحق؛ لأنك لم تعد قادرا على العودة إليها. و لك فى ذلك إشارة صادقة و مخلصة إلى سقوطك تُفزِعُك، و لذلك تحيط نفسك عن عمد بأناس لا يجيدون إلا تملق ضعفك.
أنطون تشيخوف – مقطع من مسرحية النورس/ Anton Chekhov
أنطون تشيخوف / Anton Chekhov أنطون بافلوفيتش تشيخوف (29 يناير 1860 – 15 يوليو 1904) : طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف […]
الضوء الأزرق "نشيد الأقنعة" _ حسين البرغوثي
من كتاب الضوء الأزرقصوت أحمد قطليشلا يجب أن أفقد “حسّي العادي” بما حولي، واخترعتُ تكنيناً مفيداً: أن “أكتم” أقصاي عمّن يحيطون بي، وأن أرتدي قناعاً يدعى “العادية”، ما استعطتُ إلى ذلك سبيلا، أي أن أتشبّه بـ”مركز الدائرة”: “محيطها يلامس الهواء خارجها، ولكنّه مقفل، والمركز في بطن المحيط كالجنين في بطن أمّه، وهذا البطن قناع، أعطني من فضلك، ماذا؟ قناعاً آخر، قناعاً ثانياً!”، هكذا قال نيتشه. وقرّرت أن “أستقيل” من عدّة عادات في حياتي: ألّا أسعى لأن أكون “الأوّل” في أي شيء، أو كقول غوته: “بنيتُ بيتي على العدم، ولهذا، فكلُّ الكون لي”، سيدعو الناس هذا “صعلكة”، وشذوذاً، وسينتبهون إلى كلّ ما هو “خارجي”، إلى قشوري، وعليّ زيادة القناع قوّة بأن أطيل شعري أكثر، وأرتدي صندلاً غير رسمي، وكلّ ما من شأنه أن يكون قشرة أخرى تُبعد الناس عن “مركزي” و”روحي”: ملابسي، شعري الطويل، تشرُّدي، فظاظتي، وسيفكّرون ما يأتي على بالِهم، فليكُن، هذا نافع، هذا قناع ثالث، أعطني، أعطني، ماذا؟ قناعاً ثالثاً، من فضلك، قناعاً آخر. وعليّ أن “لا أصارع الناس” في دنياهم، سأعزل نفسي في قوقعة من علاقات قليلة، مع بشر “استثنائيين” فقط، بأقل عدد ممكن، وسأتحوّل، كما تعلّمت من “طريق محارب مسالم”، من شخص استثنائي في عالم عادي إلى عادي في عالم استثنائي، وسأتجنّب أي صراع لا جدوى منه، سأتجنّب، كشبح لا يخرج من بيته إلا بعد منتصف الليل، ماشيا في الأزقة الخلفية، محاطاً بفيلات فيها كلُّها أضواء، وحفلات كوكتيل، وموسيقى مبتذلة، وجنس، وسياسة، وصراع على المناصب، وعواء، وكل ما أرجوه ألا ينتبه أحد لمروري، أعطني من فضلك، أعطني، ماذا؟ قناعاً آخر، قناعاً رابعاً.سأُراكِم على وجهي أكبر قدر ممكن من الأقنعة، وتحت هذا كله، سأصعد إلى الضوء الأزرق عارياً، وحدي، ومن بعيد، حتماً، بقلبي، سأعرف طيراً أخرى تسري نحوى مسراي ذاته، طيوراً سأحييها من بعيد، سأقتل في نفسي كلّ حزن يكسر روحي، ويشكو من “وحدة الرحلة”، وأرقص، أعطني، من فضلك، ماذا؟ قناعاً آخر، قناعاً سادساً.”نشيد أقنعة؟”، شعرت بأني فهمت لأول مرّة القصّة المشهورة عن النبي محمّد حين طاردته قريش فاختبأ في غار في الجبل، ومرّت قريش فرأت على باب الغار نسيج عنكبوت فاعتقدت أن “لا أحد هناك، في الداخل”. قناع النبي كان “نسيج عنكبوت”، و”لا أحد هناك في الداخل”، أخفى الله وجه نبيه بنسيج عنكبوت، بقناع ما، ولم تدرك قريش أن “خلف النسيج” وجهاً، هذا خير الأقنعة: أن يبدو الوجه للخارج نسيج عنكبوت لا يرى عبره أحد إلا من سافر في صحبة الضوء الأزرق، وكان النبي في غاره “يتأمّل”، والتأمّل عبادته السامية، وزيّفوا هذا فقالوا “كان يتعبّد”، كي ينفتح الدرب للجهلة الذين لا “يتأمّلون”، جهلة تكاثروا حتى تدهورت الثقافة العربية الإسلامية، فاشتكى واحد من أعظم عقولها: الشيخ محيي الدين بن عربي، من تكاثر “المؤمنين”، وقلة “العارفين أصحاب الكشوف” في زمنه، ولكن لا، لا أقصد شيئاً، لا أعني، أسحب الآن كلامي، أعطني من فضلك، ماذا؟ قناعاً، قناعاً سابعاً.