بعد اثني عشر يوماً من المطر – دوريان لوكس – تـ سامر أبو هواشلم أستطع تسميته: ذلك الحزناللذيذ المتدفّق فيّ منذ أسابيع.لذا مسحت الغبار، ووجدتني واقفةفي غرفة، وفي يدي خرقة،والطيور تشدو: (آن وقت الذهاب، آن وقت الذهاب).وكامرأة عجوز عند نهاية حياتهاكان في وسعي استذكاره؛ صوترجل لم أُحببه عضعض مرةًنهديّ وراح يهمس:(حمامتيّ الصغيرتين، زنابقي، زنابقي البيض)كدت أبكي حين تذكّرته.لا أذكر متى بدأتُ بمناداةالجميع (حبّوبي)كما لو كانوا بناتي،أعزائي، وعصافيري الصغيرة.لطالما أحببت أكثر مما يلزم،أو ليس بما يكفي. الليلة الفائتةقرأتُ قصيدة عن الله وكدتُأصدّقها – الله يحتسي القهوةويدخّن التنباك المعسّل.بلغت مرحلة في حياتيحيث يمكنني أن أصدّقكلّ شيء تقريباً.اليوم، وأنا أملأ خزان سيارتي بالبنزين، وقفتُتحت المطر دون أي شعور بالكراهية وكل العالماستحال صمتاً – السيارات تمرّ ساكنة على الإسفلتالمبلل، فم عامل المحطةينقفل وينفتح على هواءوهو يتنقّل من مضخّة إلى أخرى، وخطواتهتمّحي تحت المطر – لا شيءسوى الأرقام الصغيرة على نوافذهم المربّعةتمرّ سريعاً بجوار كتفي، تنزلق الثوانيمهرولة وأنا واقفة هناكمتوازنة على قدمي، ممسكة خرطومالبنزين بيدي، والمطر يتجمّع في شعري.ورأيت أنه ما عاد مهماًمن أحبّني أو من أحببت. كنت وحيدة.الإسفلت الأسود المزيّت، الوسامة الصقيلةلعامل المحطّة الإيراني، الغيومالمتكاثفة – لا شيء لي. أدركت أخيراً،وبعد (فصل في الفلسفة)،وألف كتاب من الشعر، وبعد الموتوالولادة وصرخات الرجال الحادّةالذين هتفوا باسمي وهم يلجونني،أدركت أني وحيدة، شعرت بذلكفي أعماق قلبي، وسمعت صداه يتردّدكجرس رفيع. وعادت الأصوات، العجلاتوالخطوات، وكل الحمولة الرقيقةالتي حملوها قائلين بلى وشكراً.دفعتُ الرسم وصعدت إلى سيارتيكأن شيئاً لم يكن -كأن كل شيء يهم – ماذا يمكنني أن أفعل سوى ذلك؟قدت سيارتي الى محل البقالةواشتريت خبزاً أبيض وحليباًولوح شوكولا ملفوفاً بورقة ذهبية،ابتسمت لموظّفة المحاسبة المراهقةبوجهها المبثّر واسمهاالبلاستيكي المعلّق فوق صدرها الصغير،وعرفت سرّها، خوفها اللذيذ،ذلك الطائر الصغير. العزيزة الصغيرة. أعطتنيبقية النقود، وكيسي البني، والوصل الممزق،دفعَت دُرج النقود بوركها،وبادلتني الابتسامة.